أبريل 17، 2007

1 الكتب والمكتبات في الحضارة الإسلامية



تعد المكتبات في الحضارة الإسلامية من أهم المؤسسات الثقافية التي عني بها المسلمون، وكان لها دور كبير في الحياة الثقافية والعلمية بين المسلمين وفي العالم.


لقد استوعب المسلمون الإنتاج المعرفي الذي قدمته الحضارات التي سادت قبلهم كاليونان، والفرس، والهند، والصين، ومصر، والعراق، وترجموا إلى اللغة العربية جزءاً كبيراً من تراث الأمم من يونان وأقباط وهنود وسريان وكلدان، وفرس، وقد يصح القول إن الحضارة الإسلامية حضارة كتب ومكتبات.


إن الإسلام يحض على العلم ويعتبره فريضة على كل مسلم، وقد ابتدأ القرآن الكريم نزوله بالآيات "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" وكانت الآية التالية "ن والقلم وما يسطرون" وقوله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقوله أيضاً : "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات".


وقد أحب المسلمون الكتب حباً ملك عليهم مشاعرهم وذكر ول ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) " لم يبلغ حب الكتب في بلد آخر من العالم إلا في بلاد الصين في عهد منج هوانج ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر".


بدأت الحركة العلمية في القرن الأول الهجري، بجمع القرآن الكريم ونسخه، وجمع الحديث الشريف وتدوينه، والترجمة إلى العربية عن اليونانية والفارسية والهندية وغيرها من اللغات، والدراسات الفقهية، والأشعار والأنساب، وتسجيل السيرة النبوية والمغازي، وظهرت المكتبات الخاصة، وتأسست أول مكتبة أكاديمية على يد خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وتطورت المكتبات ونضجت وازدهرت في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وبلغت ذروتها في القرن الرابع. وشهد القرن الثاني الهجري تطوير أو اختراع الورق الذي نقل الحركة العلمية نقلة مهمة وبعيدة فازدهرت صناعة النشر (الوراقة).


وبنيت في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد مكتبة بيت الحكمة التي كانت مركزاً مهماً لترجمة الكتب التي جمعها المسلمون من خزائن الكتب في مختلف أرجاء العالم – وكانت مكتبة بيت الحكمة مقسمة ومنظمة حسب الموضوعات واللغات، ويشرف على كل قسم فيها علماء مختصون في مجالهم ذكر منهم يوحنا بن ماسوية السرياني الذي كان يترجم عن اليونانية والفضل بن بوبخت الذي كان يترجم عن الفارسية، وكان المأمون يرسل العلماء المتخصصين للبحث عن الكتب وجمعها من مصادرها حيث كانت مكدسة في خزائن الكتب في الأديرة والمباني المختلفة في مدن كانت مهمة مثل عمورية وقبرص، واجتمع في بيت الحكمة عدد كبير من العلماء والباحثين ذكر منهم حنين بن اسحق، وأبناء شاكر، والخوارزمي، وسهل بن هارون، وسعيد بن هارون.


وكان يعمل في المكتبة أيضاً فريق من الفنيين كالناسخين والمجلدين والنقلة والملازمين والبوابين. وعرفت أيضاً مكتبات المساجد والمكتبات الخاصة والمكتبات العلمية والبحثية ومكتبات الخلافة ومكتبات المشافي. وكان المسجد مركزاً للعلم والدراسة إضافة إلى العبادة وذلك حتى زمن قريب ومازال بعضها كذلك حتى الآن في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي وأماكن تجمع المسلمين، واشتهرت مساجد كثيرة باعتبارها مراكز للعلم والفقه والبحث كالمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس، والمسجد الأموي في دمشق، وجامع الأزهر في القاهرة، ومسجد الزيتونة في تونس، ومسجد قرطبة، وجامع المنصور في بغداد، وكانت مكتبات هذه المساجد عامرة بالكتب التي تشمل معظم أنواع المعرفة. ويعد جامع الأزهر أقدم جامعة في العالم مازالت قائمة منذ أكثر من ألف سنة وتعمل على نحو متواصل.


وذكر ياقوت الحموي أنه كان يوجد في أيامه في مدينة مرو خزانتان للكتب في جامع المدينة، إحداهما يقال لها العزيزية وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد، والأخرى يقال لها الكمالية. وكان من عادة العلماء والمحسنين وكثير من الناس أن يوقفوا الكتب في حياتهم، أو بعد مماتهم في المساجد لتوضع تحت تصرف طلبة العلم.


وعندما بنى الخليفة المستنصر بالله العباسي مسجد القمرية بالجانب الغربي من بغداد حمل إليه كتباً كثيرة وجعل لها مشرفين وقيمين من العلماء المشهود لهم بالفضل والصلاح. والمستنصر هو مؤسس المدرسة المستنصرية التي مازال بناؤها قائماً حتى اليوم في بغداد وكان خازن الكتب فيها هو عبد العزيز بن دلف وكان قبل ذلك خازناً لكتب مسجد الشريف الزيدي.


وأورد ابن النديم في كتابه الأنصاف والتحري أن خزانة الكتب بجامع حلب قد نهبت في فتنة حدثت في المدينة فأمر الوزير أبو النجم هبة الله بن يديع بتجديدها ووقف غيرة كتباً أخرى.


وعرفت مكتبات خاصة كثيرة مثل مكتبة خالد بن يزيد بن معاوية، والكندي الفيلسوف العربي المشهور، وكانت هذه المكتبات شبه عامة، وأبناء موسى بن شاكر الذين كانوا علماء في الفلك والفيزياء، وابن العميد وزير البويهيين، وقد حوت مكتبته كل أنواع المعارف والآداب، وقدر عددها بحمل مائة جمل، وحين أغار السامانيون على الري مدينة ابن العميد، وكان يوصف كما في كتاب تجارب الأمم لابن مسكويه نهبوا كل محتويات قصره ولكنهم تركوا الكتب فلما عاد إلى داره ووجد الكتب ساعة فرح كثيراً كل الخزائن تعوض إلا الكتب لا عوض عنها.


وكان تلميذ ابن العميد إسماعيل بن عباد أكثر حباً بالكتب، وقدرت مكتبته بحمل أربعمائة جمل، وكان يعمل معه عدد كبير من العلماء والباحثين، مثل جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع الذي ألف بناءً على طلبه كتاب الكافي في الطب، وأحمد بن فارس اللغوي الذي ألف كتاب الصاحبي، وذكر ياقوت قولا لابن عباد أن في مكتبته مائتين وستة آلاف مجلد، ثم وقف هذه المكتبة بعد وفاته لمدينة الري، وزارها بعد ذلك البيهقي وقال إن فهرسها يقع في عشر مجلدات.


وقال ول ديورانت في "قصة الحضارة" إن كتب ابن عباد وكانت تفوق ما في دور الكتب الأوروبية مجتمعة. وقال ياقوت إن الواقدي عندما تحول من الجانب الغربي من بغداد نقل كتبه على مائة وعشرين جملاً، والواقدي مؤلف كتاب المغازي ( ت سنة 207هـ) قال: ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وأنا حفظي اكثر من كتبي.


وأسس جعفر الموصلي المعروف بابن حمدان مكتبة في مدينة الموصل كانت مفتوحة الأبواب لجميع الناس، وكانت توزع الورق وأدوات النسخ والتعلم على رواد المكتبة. وبلغت الأندلس منزلة متقدمة في العلم والحضارة، وقد كان في قرطبة 1600 مسجد، 600 حمام،ومائتا ألف دار، وثمانون ألف قصر، وفي ضواحيها ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه، وقدر سكان المدينة بمليوني نسمة، وكان بالربض الشرقي منها مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، وكان أغلب الناس كما ذكر المؤرخ الأوروبي دوزي يعرفون القراءة والكتابة.


وكان في الأندلس مكتبات خاصة كثيرة عامرة، مثل مكتبة القاضي أبو مطرف عبد الرحمن بن عيسى، ومكتبات الخلفاء، والوزراء والأعيان مثل ابن حزم، وابن رشد، واشتهرت قرطبة بحب الكتب كما اشتهرت اشبيلية بالغناء، وكان يقال إذا مات عالم بإشبيلية حملت كتبه إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة حملت آلاته إلى إشبيلية حتى تباع فيها.


ومن طُرَف جمع الكتب في الأندلس ما يذكره التلمساني في نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب أن الناس كانوا يجتهدون في شراء الكتب وجمعها وهم لا يعرفون عنها شيئاً سوى أنها من وسائل التباهي والتفاخر، فيذكر الحضرمي أنه لازم سوق الكتب يترقب كتاباً فوجده بخط فصيح وتفسير مليح، ففرح به وجعل يزيد في ثمنه ويزيد غيره، فطلب من يزيد عليه فرآه شخصاً عليه لباس رئاسة، فقال له: أعز الله سيدنا الفقيه إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغت الزيادة بيننا فوق حده، فقال له: لست بفقيه ولا أدري ما فيه، ولكن أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم من الرزق فهو كثير.


ومن المكتبات العجيبة في التاريخ الإسلامي مكتبة شيراز التي أقامها عضد الدولة البويهي، كتب عنها المقدسي في أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم أن عضد الدولة خرق فيها الأنهر ونصب عليها القباب وأحاطها بالبساتين والأشجار وحفر فيها الفياض وجمع فيها المرافق والعدد، وكان فيها ثلاثمائة وستون حجرة وداراً، ولكل حجرة وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنف إلى وقته من أنواع العلوم كلها إلا حصله منها - وكان يلصق على أبواب الخزائن أسماء الكتب التي فيها، ومقسمة حسب موضوعاتها.


وأنشأ سيف الدولة الحمداني مكتبة كبرى جعلها في عهدة شاعرين أخوين، هما أبو بكر محمد بن هاشم، وأبو عثمان سعيد بن هاشم.


ويذكر أبو شامة في كتاب الروضتين أن صلاح الدين عندما دخل مدينة آمد من أعمال الجزيرة العليا سنة 579هـ وجد فيها خزانة كتب تحوي ألف ألف وأربعين ألف كتاب، وهو رقم خيالي لكنه يدل على التراث الهائل وحب المطالعة والكتب.


ووصف المقريزي مكتبات الفاطميين وبخاصة دار الحكمة، فقال إنها من عجائب الدنيا لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم منها، وكان فيها 1200 نسخة من تاريخ الطبري، وكانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب، وكانت مكتبات الفاطميين مفروشة بأثاث وفرش جميلة، وشوهد في مكتبة الفواطم قطع من الحرير الأزرق غريب الصنعة، فيها صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومساكنها، وأسماء طرائقها ومدنها، وجبالها، وبلادها، وأنهارها وبحارها.


وأنشئت في الأندلس مكتبات مهمة نقل إليها جزء كبير من كتب اليونان في أوروبا، وروى ابن خلدون أن خزانة العلوم والكتب بدار بني مروان كانت فهارسها في أربعة وأربعين مجلداً في كل مجلد عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الكتب لا غير. وعرفت المكتبات العامة التي كانت مفتوحة للجمهور وتقدم لهم إضافة إلى الكتب الإرشاد والورق والحبر وأدوات الكتابة.


وذكر ياقوت أن عدد المكتبات في مرو في زمانه (أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجري) كانت عشر مكتبات في الجوامع والمدارس والخوانق أو في أبنية خاصة بها، وكان في ساوه مكتبة عامة جليلة وصفها ياقوت بأنها لم تكن في الدنيا أعظم منها.


وألحقت بالمدارس والمستشفيات مكتبات خاصة بها كان لها شأن عظيم في العلم والثقافة، ومن المدارس التي تحدث المؤرخون عن مكتباتها مدرسة نظام الملك السلجوقي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وهي التي سميت المدرسة النظامية في بغداد، ومن شيوخ هذه المدرسة الإمام الغزالي وقد زارها ابن جبير وابن بطوطة في رحلاتهما المشهورة، وقد وصف ماكنيسن مكتبة المدرسة النظامية بأنها إحدى أربع مكتبات كبرى في بغداد في العصور الوسطى، وتولى أمانة هذه المكتبة علماء كبار مثل الأسفرايني والأبيوردي، وهو صاحب مصنفات كثيرة،وقد وقف كثير من الخلفاء والعلماء لهذه المكتبة الأموال والكتب، مثل الخليفة الناصر لدين الله العباسي، ومحيي الدين بن النجار، مؤلف كتاب ذيل تاريخ بغداد، ويذكر ابن الأثير أن حريقاً شب في المدرسة سنة 510هـ فهب الفقهاء والتلاميذ جميعاً لنقل الكتب من المدرسة وسلمت جميعها، وفي هذا إشارة واضحة لمدى الحرص على سلامة المكتبة والكتب، وذكر ابن الجوزي (ت سنة 597هـ) في كتابه صيد الخاطر أنه نظر في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد.


وربما كانت المدرسة المستنصرية أشهر مدرسة في التاريخ الإسلامي، وقد أنشأها الخليفة في بغداد الخليفة العباسي المستنصر بالله، وكانت تدرس الفقه والطب والنحو والفلك والكيمياء وهي أقرب إلى الجامعة بالمفهوم الحديث، وكانت مكتبتها جميلة البناء، فقال ابن الفوطي أنها حوت كتباً نفيسة تضم من العلوم الدينية والأدبية، وقد وُضع فيها يوم افتتاحها ثمانون ألف مجلد وقد عمل ابن الفوطي المؤرخ المشهور مؤلف كتاب "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة" عمل أمنياً لهذه المكتبة، وكان ابن الفوطي يعمل قبل ذلك خازنا لمكتبة مرصد مراغة التي كانت تضم أربعمائة ألف مجلد، لكن ابن الفوطي قال عن مكتبة المستنصرية أنها لم يكن أعظم منها في زمانها، وما زال بناء المستنصرية قائماً حتى اليوم في بغداد .


ولا ترقى المعلومات عن مكتبات المشافي إلى سعة وكثرة مكتبات المدارس ولكن المؤرخين تحدثوا عن مكتبات تابعة للمستشفى النوري في دمشق في أواخر القرن السادس الهجري، وذكر المقريزي عن مكتبة ملحقة بالبيمارستان المنصوري في القاهرة، وذكرت دائرة المعارف الإسلامية أن الكتب التي وجدت في مستشفى قلاوون في القاهرة بلغت حوالي مائة ألف مجلد.


وتعرض المصادر التاريخية وصفاً شاملاً لتنظيم المكتبات والعاملين فيها من المشرفين والخازنين والمناولين عدا العلماء والباحثين والمترجمين، وتدل الكتب الببلوجرافية التي ألفت على مستوى وطبيعة تنظيم المكتبات الإسلامية، مثل كتاب الفهرست لابن النديم الذي ألف في عام 377هـ، وإحصاء العلوم للفارابي، وكشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لـ "حاجي خليفة" في القرن العاشر الهجري، ومفتاح السعادة ومصباح السيادة لـ "طاش كبري زارة" في القرن العاشر الهجري .


المصدر

هناك تعليق واحد:

  1. هل لك في مفتاح أعظم الخزائن؟
    http://tadabbor.com/nway/media/10/?p=2
    منقول من موقع الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم

    ردحذف